إخفاق التواصل
مراجعة: أنور الشيخ
8-6-2022
لقد
بلغنا من الاكتئاب مبلغاً وبائياً سارياً لا يكان ينجو من حبائله ناجٍ، فما مردّ
ذلك؟
توصل
العلماء من بقاعٍ شتى في عالمنا إلى وجود تسعة أسبابٍ أساسية للاكتئاب، أسبابٍ
بعضها عضويٌّ حيويٌّ، وجُلّها يستخفي في ثنايا أسلوب حياتنا اليومية.
لمّا
كان الاكتئابُ إلفَ يوهان هاري ورفيق صباه وتوأم ساعاته، فقد سكبه في كتابه الأخير
"إخفاقُ التواصل" الأكثرِ مبيعاً، ليميط في طيّاته لثامَ مسبباتِ
الاكتئاب وترياقهِ الناجعِ اللامتوقع؛ فيصف فيه ما ذرف من عَبراتِ الوحدة والخلوة
في غرفة نومه مذ كان ناعمَ الأظفار.
تجرّع
هاري أولَ دواءٍ مضادٍّ للاكتئاب في ربيعه الثامن عشر ليكون أول قبلةٍ كيميائيةٍ
يحظى بها باستشارةٍ من طبيبه الذي قال له إنّه واحدٌ من بين كثيرٍ من المكتئبين، و
"أنها حالةٌ طبيةٌ كالسكري أو القولون العصبي"، وأنها تنجم عن اضرابٍ
كيميائيٍّ يحدث في الدماغ؛ فسعى حين بلغ واستقى من علوم الاجتماع ما استقى، في
التحقق من صحة ذاك الادّعاء ليقعَ على أن كلَّ ما نما إلى علمنا من متعلقات
الاكتئاب يجافي الصواب، وأن الخطأَ ما قاله علماءُ الاجتماع من أن مردَّ الاكتئابِ
هو أسلوب حياتنا، فقاد سلسلةَ تجاربَ مثيرةٍ بدأت ببالتيمور وشعب الأميش في
إنديانا وصولاً إلى انتفاضةٍ في برلين؛ لتثمر رحلته بأن تسفر عن كشف أسبابِ
الاكتئاب التسعة التي قادته بدورها إلى أعتاب علماء اكتشفوا له حلولاً سبعةً تختلف
اختلافاً كلياً عن نظيراتها؛ حلولاً ناجعةً فعلاً هذه المرة.
عندما
كان اكتئابه محضَ خللٍ وظيفي في الدماغ، انتهى الأمر بالعقاقير إلى فقدان تأثيرها
بمرور الوقت.
من
خلال رحلةٍ مكوكيةٍ تخطف الأنفاس، نلج مع يوهان هاري عوالم أشخاصٍ ومفاهيم
لامألوفةٍ قد تجعلنا تغير الطريقة التي نرى بها الاكتئاب إلى الأبد؛ متحدياً في
كتاب هذا عقيدتنا الحالية حول الاكتئاب، فكأنما كتابُه ذا فسحةٌ خضراءُ عند نهاية
نفقٍ.
تقحّم
في ربيعه الثلاثين ذاتَه بتساؤلاتٍ لم يسمعها من طبيبٍ، فاتخذت تساؤلاتُه شبحَ هواجسه
حيالَ ماهية حياته، وأسباب حزنه، وهيئة التغييرات التي لعلها تجعل من حياتنا
حياةً.
يمثل
كتابه في جزءٍ منه رحلةً شخصيةً تعامل فيها هاري مع ما واجهَ في علاجه من عيوبٍ، وفي
جزئِه الآخرِ سيماءُ تفكيرٍ أكاديميٍّ جاس به خلال وجهات النظر المختلفة للعلماء
وعلماء النفس والمصابين بالاكتئاب.
يسلط
نصفُ الكتابِ الأولُ نظرةً فاحصةً على العوامل الاجتماعية والنفسية التي يمكن أن
تسبب الاكتئاب؛ والتي تشمل العناءَ والصدماتِ والوحدةَ والخيانةَ وغيرَ ذلك من غياب
المكانة والانفصال عن الطبيعة. كما يسبر ما جرى من بحوثٍ دوائيةٍ جرى استغلالها جلياً
في الاحتجاج بها، ففنّد ببراعة الباحثِ والطبيبِ-المريضِ الفكرة الشائعة الزاعمةَ بأن
الاكتئاب خلقٌ جينيٌّ.
رأيتُ
في البحث شمولاً بدا فيه هاري واضحاً حيالَ الصعوبات والعقبات التي قد تواجه
المهمة التي تنتظرنا، وكان وضحاً كذلك في اقتراح أساليبِ تفكير فيرِ معهودةٍ وإن
لم تكن حلولاً مؤكدة، بيْد أن حجته تقوم على افتراض أن شعورك بالضيق الحالي يكمن
في انفصالك عن حاجاتك البشرية الحيوية كحسن الجوار، والوفاء، والاعتراف بالصدمة ومواجهتها،
فهنا نكون أحوج ما نكون إلى ابتكار طرقٍ لمعاودة الاتصال.
هذا
الكتاب حجرُ رشيدٍ فيه من فصوص الحكمة والرحمة ما يفك طلاسم الأمراض العقلية
للباحثين فيها؛ كتابٌ جعلنا مؤلفه نعيد صياغة نظرتنا إزاء قضيةٍ من القضايا، لنغير
بها قواعد اللعبة باقتدارٍ؛ كتابٌ بديعٌ من شخصٍ يرى أن الاتصالَ نقيضُ الإدمان.

تعليقات
إرسال تعليق